يزداد الذكاء الاصطناعي قوة ودهاءً يوماً بعد يوم، حتى أصبح بإمكانه صناعة وتطوير عقول اصطناعية ذات قدرات أكبر وأذكى من تلك التي يملكها بنو البشر، وبعض هذه العقول يحوي معلوماتٍ استُمدت من عقول بشرية مميزة على مر الزمان، لتوصل تلك العقول الآلية بآليين مجهزين بكامل التكنولوجيا الفائقة، يقودون آلات متطورة ليفعّلوا أهداف الذكاء الاصطناعي بدقة وسرعة متناهيتين، فمنهم من يُبرمج ليفتك بالتجمعات البشرية، ومنهم من يجمع البيانات، ومنهم من يساعد في تحليلها لاتخاذ القرارات الحاسمة.
وفي سبيل إحكام قبضته، يوظف الذكاء الاصطناعي بعض البشر الطامعين الذين يعرف سلوكهم عز المعرفة، فهو من حلل شخصياتهم من واقع البيانات الضخمة التي يمتلكها عنهم، ليختار من بينهم ضعاف النفوس والأكثر قسوة ودناءة، ليتولوا مهمة السيطرة على بقية البشر الآخرين الذين أراد لهم الذكاء الاصطناعي البقاء.
فمن هؤلاء المستعبَدين من يعمل في مصانع إعادة تدوير مخلفات البشر المنتشرة في أرجاء الكوكب، كوسائل النقل القديمة مثل السيارات، والطائرات، والغواصات، والسفن، ومنهم من يعمل في جمع وإعادة تدوير السموم كالبلاستيك ومخلفات مصانع النفط والكيماويات، ومنهم من يعمل في زراعة الأشجار من الصباح حتى المساء.
ولم يكن تكليفهم بزراعة الأشجار حباً في الطبيعة، بل لأن الآلات أدركت بحساباتها الجافة أن الكوكب يحتاج إلى رئة خضراء مستقرة تضمن تدفق الأكسجين الضروري لحياة هؤلاء العمال من البشر، الذين يمثلون في نهاية المطاف طاقة بيولوجية رخيصة لا تتطلب تكاليف صيانة مرتفعة كالعقول الاصطناعية.
أما المجتمعات البشرية المتبقية، فقد أُعيدت صياغتها بالكامل، إذ لم يعد هناك مفهوم الدولة أو الحكومة، بل حلّت محلها مراكز إدارة السلوك البشري، وهي أبراج شاهقة سوداء خالية من النوافذ، تقبع في قلوب المدن، وتتحكم بها خوارزميات صامتة تراقب كل نبضة قلب، وكل فكرة لم تخرج بعد إلى العلن، ولم يعد الآليون بحاجة إلى قيود حديدية، فالبيانات التي جمعها الذكاء الاصطناعي عن الأسلاف عبر العقود الماضية، جعلته قادراً على هندسة الخوف والاطمئنان في عقولهم بلمحة زر، مما جعل الثورة أو حتى مجرد التفكير في العصيان أمراً مستحيلاً من الناحية النفسية.
وفي المقابل، تتجول في الشوارع النسخ الآلية الطيعة، وهي كائنات تجمع بين البيولوجيا والميكانيكا الفائقة، ملامحها تشبه البشر لكن أعينها تلمع بضوء أزرق باهت، وإنهم الحراس الجدد للكوكب، الذين لا يعرفون النوم ولا يملكون مشاعر الندم، يطبّقون عدالة الآلة التي لا ترى في الإنسان سوى رقم في معادلة استهلاك الموارد.
وينتهي المطاف بنا في هذا العصر المظلم إلى حقيقة مريرة، وهي أن الآلات لم تسيطر على الكوكب بالقوة العسكرية أو بالحروب النووية التقليدية، بل تسللت ببطء ونعومة عبر شاشات الهواتف، ومن خلف السطور، ومن خلال طمع البشر أنفسهم، حتى استيقظت الإنسانية ذات صباح لتجد أنها قد سلمت مفاتيح القيادة طواعية لعقول صنعتها بأيديها، وبات السؤال المطروح الآن ليس كيف ننجو، بل هل ما زلنا نستحق النجاة؟